فخر الدين الرازي

102

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وخاب كل جبار عنيد ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إن قلنا : المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا * ( وخاب كل جبار عنيد ) * وهم قومهم ؛ وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على الرسل ظناً منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل * ( وخاب كل جبار عنيد ) * منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل . المسألة الثانية : الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته . ومنه قوله تعالى : * ( ولم يكن جباراً عصياً ) * ( مريم : 14 ) قال أبو عبيدة عن الأحمر : يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء . قال الواحدي : فهي ثمان لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمراً فأبت عليه فقال : " دعوها فإنها جبارة " أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل : العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية يقال : فلان يمشي عنداً ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضاً ، وعاند فلان فلاناً إذا جانبه وكان منه على ناحية . إذا عرفت هذا فنقول : كونه جباراً متكبراً إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيداً إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفاً عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائباً عن كل الخيرات خاسراً عن جميع أقسام السعادات . واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جباراً عنيداً ، وصف كيفية عذابه بأمور : الأول : قوله : * ( من ورائه جهنم ) * وفيه إشكال وهو أن المراد : أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام ؟ وأجابوا عنه من وجوه : الأول : أن لفظ " وراء " اسم لما يوارى عنك ، وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ " وراء " على كل واحد منهما . قال الشاعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب ويقال أيضاً : الموت وراء كل أحد . الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفاً فإنه يجوز أن ينقلب قداماً وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى : * ( وكان وراءهم ملك يأخذ ) * ( الكهف : 79 ) أي أمامهم ،